الأخبار

عيون العتروس مسرح المجد ونبض الذاكرة/ سفير الإنسانية الشيخ ولد سيدي

في أقصى الجنوب والشرق الحافِل بالشموخ، حيثُ تتعانقُ الحجارةُ الأبِيّة مع رمال الأصالة، تقف “عيون العتروس” ليس كمدينةٍ مرّت عليها الأيامُ فحسب، بل كحاضرةٍ من بواسقِ المجدِ والذاكرة. وهناك، في تلك الفسحة الثقافية والاستثنائية التي صنعها مهرجانُها السنويّ برئاسة الشاب المختار ولد اغويزي، كانت الحبيبةُ “العيون” تخلع عن كاهلها غبار العزلة لتلبس حُلّة الفرح، وتتحول إلى قِبلةٍ يستعيدُ فيها الناس أهليّتهم للجمال، ويتنفسون من خلالها الصعداء في مجمعٍ أدبيّ وفنيّ واجتماعيّ كان بمثابة الملاذ والموعد المرتقب.

 

لقد اعتاد الناسُ في تلك الأيام أن يشدّوا الرحالَ إلى العيون؛ كانت المواعيد تُعرّخ بربيعِ المهرجان، وكانت البيوتُ تُفتح قبل القلوب لاستقبال الوافدين، في تظاهرةٍ لم تكن مجرد مهرجانٍ عابر، بل كانت فسحةً للروح، وميداناً يلتقي فيه الأُدباء والأعيان والشباب والشيوخ، ليعيدوا رسم ملامح التضامن والتآخي، وينشطوا الحركة الثقافية والاقتصادية في المنطقة بأسرها.

 

وما كان لهذا الشبل، المختار ولد اغويزي، أن يحمل هذه الأمانة ويتسنّم هذه القمّة الثقافية بكل اقتدار وحكمة، لولا أنه نبعَ من أصلٍ أصيل، وغرفَ من شيمةِ بيتٍ عريقٍ متجذرٍ في خدمة الوطن والناس. إننا حين نذكر المختار، فإننا نقرأ في سجاياه وأخلاقه وعطائه طيفَ والده القائد العظيم، الجنرال المتقاعد ومدير الأمن السابق، مسغارو ولد اغويزي. هذا الرجل الذي لم يكن مجرد قائدٍ عسكري وأمني قدّم للوطن أزهى سنين عمره في صون أمنه وحراسة ثغوره، بل كان وما يزال رمزاً للشهامة، واليد البيضاء، والبيت المفتوح لكل قاصد ومحتاج. لقد ورث المختار عن أبيه مسغارو تلك الهيبة المحفوفة بالتواضع، وذلك النبل الذي يجعل من خدمة الناس وساماً يوضع على الصدر، في امتدادٍ طبيعيّ لعائلةٍ أثبتت الأيامُ أن مكارم الأخلاق لديها سجيّةٌ ومحتد، لا يتكلفونها ولا يتصنعونها.

 

ولأولئك الذين يحاولون قراءة المشهد بنظرةٍ قاصرة، فيدّعون أو يتخرّصون بأن الناس قد تراجعوا عن المختار ولد اغويزي لمجرد توقف المهرجان، نقول لهم بلسان الأدب والحقيقة الناصعة: إنكم تجهلون معادن الرجال وتخلطون بين السراب واليقين! إن المختار ولد اغويزي رثّ المجدِ من محتدٍ أصيل؛ ومكانته في قلوب الشرفاء وأبناء المنطقة أعمق وأسمى من أن تُختزل في فعاليةٍ توقفت أو مواسم تتغير. فالرجال الذين يبنون رصيدهم من صدق التعامل، ونبل الاحتضان، وكرم المحتد، لا تزعزع مكانتهم المهرجانات إذا أقيمت، ولا تنقص من قدرهم إذا توقفت. إن حبّ الناس له ولعائلته جذرٌ ضاربٌ في أرض الوفاء، يتجاوز المناسبات العابرة ليقيم في الضمائر والوجدان.

 

إنني، وبصفتي سفير الإنسانية، ومن موقع المسؤولية الأخلاقية تجاه هذه المدينة العريقة وأبنائها، أرفعُ الصوت نداءً ومناشدةً صادقة إلى كافة الجهات المعنية والشرفاء والداعمين: إن مهرجان عيون العتروس لم يكن مجرد احتفالٍ رفاهي، بل كان شرياناً حيوياً وثقافياً واقتصادياً يبعث الحياة في المنطقة. وإن ضرورة دعمه وإعادته إلى الواجهة باتت مطلباً ملحاً ورسالة وفاء لهذه الأرض.

 

ليُعد المهرجان، وليستأنف المختار ولد اغويزي دوره الرياضي والمجتمعي، لتظل عيون العتروس كما كانت دائماً: منارةً للثقافة، وواحةً للكرماء، وشاهداً على أن مجد الأوفياء لا يزول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى