في مشهد روحاني مهيب يختزل عمق الارتباط بالدين والهوية، احتضنت قرية النمجاط انطلاق الموسم السنوي للطريقة القادرية في غرب إفريقيا، أحد أبرز التظاهرات الدينية التي دأبت على استقطاب آلاف المريدين والمهتمين بالشأن الروحي من مختلف أنحاء المنطقة.
وقد أشرف على افتتاح الموسم معالي وزير الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي، السيد الفضيل سيداتي أحمد لولي، بحضور والي ولاية اترارزة السيد احمدنا ولد سيد أب، إلى جانب الخليفة العام للطريقة القادرية الشيخ عبد العزيز ولد الشيخ آياه، وشخصيات رسمية ودينية، فضلاً عن حشود كبيرة من أتباع الطريقة.
موسم يتجاوز الطابع الاحتفالي
لا يُنظر إلى هذا الموسم باعتباره مجرد تجمع سنوي، بل يمثل محطة متجددة لإحياء القيم الروحية والعلمية، حيث تتلاقى فيه حلقات الذكر ومجالس العلم، في إطار يعزز من معاني التزكية ويكرس ثقافة الاعتدال والوسطية. ويُعد هذا اللقاء فرصة لتجديد الصلة بالموروث الصوفي الذي شكل عبر قرون ركيزة أساسية في بناء المجتمعات المحلية وترسيخ تماسكها.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الوزير أن هذه المواسم تندرج ضمن رؤية وطنية شاملة يقودها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، تقوم على تعزيز الأمن الروحي وترسيخ قيم السلم الاجتماعي، مشيرًا إلى أن العناية بالمحاظر والطرق الصوفية تمثل جزءًا من مقاربة متكاملة تهدف إلى حماية الهوية الثقافية والدينية للبلاد.
دور تاريخي للطرق الصوفية
لطالما لعبت الطريقة القادرية دورًا محوريًا في نشر تعاليم الإسلام السمحة في غرب إفريقيا، حيث أسهمت في تعليم القرآن الكريم، وتربية الأجيال على القيم الأخلاقية، وتعزيز روح التسامح. وقد شكلت هذه الطرق، عبر تاريخها الطويل، فضاءات للتلاقي والتعايش، وساهمت في بناء جسور التواصل بين الشعوب.
وفي هذا السياق، استعرض المتدخلون من القائمين على الخلافة العامة، ومن بينهم الشيخ الطالب بوي ولد الشيخ آياه، الجهود المبذولة في المجالين التعليمي والخيري، خاصة من خلال الأنشطة التي تشرف عليها جمعية الشيخ آياه الخيرية، والتي تركز على دعم الفئات الهشة وتعزيز التعليم الديني.
محظرة النمجاط.. منارة علمية متجددة
ومن أبرز معالم الموسم، الزيارة التي أداها الوفد الرسمي إلى محظرة النمجاط، التي باتت تحتضن أكثر من 600 طالب يتلقون علوم القرآن والفقه واللغة، بإشراف نخبة من العلماء. وتُعد هذه المحظرة نموذجًا حيًا لاستمرار الدور التاريخي للمحاظر في موريتانيا، باعتبارها مؤسسات تعليمية أصيلة حافظت على إشعاعها رغم التحولات.
كما شملت الزيارة المسجد الجامع، حيث أُقيمت فعاليات دينية وتكريمات، تم خلالها توزيع جوائز على الفائزين في المسابقات القرآنية، في خطوة تعكس العناية بتحفيز الناشئة على حفظ كتاب الله.
حضور إقليمي يعكس عمق الامتداد
ويتميّز موسم النمجاط بحضوره الإقليمي الواسع، إذ يستقطب سنويًا وفودًا من عدة دول في غرب إفريقيا، ما يجعله فضاءً للتواصل الثقافي والديني، وفرصة لتعزيز الروابط بين المجتمعات الإسلامية في المنطقة.
وأكد المتحدث باسم الخلافة العامة، السيد الولي ولد اباتن، أن هذا الحدث يُعد من أكبر التجمعات الدينية في البلاد، لما يوفره من برامج علمية وروحية تسهم في نشر قيم الإسلام القائمة على التسامح والاعتدال.
بين الروح والتنمية
ولا يقتصر أثر هذا الموسم على الجانب الروحي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية، حيث تنشط الحركة التجارية والخدمية في المنطقة، ويشكل الحدث فرصة لتعزيز التنمية المحلية، إلى جانب دوره في ترسيخ الاستقرار المجتمعي.
كما يُنظر إلى هذه المواسم باعتبارها أدوات فعالة في مواجهة التحديات الفكرية، من خلال نشر خطاب ديني معتدل، يعزز الوعي ويحمي الشباب من الانحرافات الفكرية.
ختام يحمل رسائل متعددة
في المحصلة، يعكس موسم النمجاط السنوي للطريقة القادرية نموذجًا متكاملًا لتلاقي الدين بالثقافة، والروح بالتنمية، حيث تتجدد فيه معاني الانتماء، وتتقوى روابط الأخوة، في مشهد يؤكد أن هذه التظاهرات الدينية ما تزال تلعب دورًا محوريًا في بناء الإنسان وتعزيز تماسك المجتمعات.
ومع تواصل فعاليات الموسم خلال الأيام المقبلة، تبقى النمجاط قبلة للآلاف، ومركز إشعاع يواصل أداء رسالته في نشر العلم والمحبة والسلام.
زر الذهاب إلى الأعلى