ظهر هذا المصطلح: الذكاء الصناعي أو الاصطناعي، منذ بداية القرن ال 21, وهما مصطلحان يشيران إلى استخدام التقنيات المعلوماتية من أجل محاكاة البشر.
ويعبر هذا المفهوم خار سياق ماهو طبيعي أو بشري، بل هو مفهوم مصطنع وقد تم تطويره بواسطة البرمجيات والوسائط المعلوماتية.
يشير هذا المصطلح إلى قدرة الآلات على أداء المهام الموكلة إليها، والتي تتطلب ذكاء بشريا، ولكن محاكاة هذا الذكاء تتم عن طريق الآلات التي يتم تمكينها من تعليم كيفية حل المشاكل العلمية والإشكالات الفكرية.
السؤال الفلسفي
وفي قلب الذكاء الصناعي وطرق “تمكينه” ، يكمن إشكال فكري إن لم نقل وجودي: كيف يمكن للآلة أن تتصرف أو تفكر بطريقة مشابهة للبشر؟
هذا السوال لا يكمن في وصف مستوى تقنيات الكومبيوتر ، بل يتجاوز ذلك إلى مستوى التحليل الفلسفي لطبيعة التفكير ومستوى الوعي وبنية المعرفة ومدى عقلانية هذه العناصر.
لقد أصبح هذ المفهوم العمود الفقري للتحول التكنولوجي فهو يعطي تفسير وشرحا للمعرفة ويعيد تغير مفهوم “العمل” الإنساني نفسه ويعيد رسم خارطته وبموجب ذلك يتعدى رسم حدودها ويتجاوزها إلى أبعد من ذلك حين تتغير معايير وخصوصيات الاتفاقيات المنظمة للشغل محليا ودوليا، بل إن التأثير ستتسع دائرته ليشمل كل القرارات البشرية.
ومن المنظور الفلسفي يطرح الذكاء الصناعي عدة تساؤلات جوهرية حول العقل البشري وبعض المفاهيم والإشكالات المعرفية والمناحي الإنسانية كالإرادة والمسؤولية والحرية، وهل الإنسان هو الذي يصنع الذكاء الصناعي وهل لهذا الذكاء الصناعي تدخل في طريقة تفكيرنا وعيشنا؟
هناك جدل بين الإنسان والآلة ، هل سيظل الإنسان صاحب القرار؟
هل الآلة ستتجاوز إمكانات البشر الفكرية؟
ماهي حدود العقل “الآلي”، في مقابل العقل البشري؟
كيف تتفاعل القيم الأخلاقية والفلسفية مع تطورات الذكاء الصناعي؟
علاقة الذكاء الصناعي بالفلسفة والعقل
أرق إشكال علاقة الفلسفة بالعقل التفكير الإنساني منذ الإغريق إلى عصر سيادة التقنية مرورا بفلاسفة التنوير مثل ديكارت وكانط حيث بحثا في طبيعة العقل البشري وطرق معرفته للعالمً،ويأتي الذكاء الصناعي ليقدم اليوم نموذجا عمليا لتجربة شبيهة “العقل الصناعي” ، الأمر الذي يعيد فتح النقاش حول الوعي والقدرة على الفهم والاستيعاب والتحليل ومدى القدرة على إسقاط نتائج التحليل على الواقع البشري.
فمن وجهة نظر الفلسفة يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يحاكي العمليات العقلية لكنه لا يمتلك وعيا ذاتيا ولا شعورا بالقيم والأخلاق من جانب عملي ، في الوقت الذي تظهر الخوارزميات قدرة على اتخاذ قرارات معقدة بدرجة تفوق البشر ، السيئ الذي يجعلنا أمام سؤال:
هل القدرة الحسابية تعادل الفهم الصحيح والعميق للواقع؟
أم أن الفهم البشري -رغم نسبيته- لا يمكن للآلة محاكاته، أو على الأقل في بعده الإنساني وتجاربه الذاتية؟
الواقع أن بصمة الذكاء الصناعي جلية وتسير بوتيرة متسارعة، فقد غيرت هذه الظاهرة المسار المعرفي عموما وخاصة العلاقة بين المعرفة التقليدية والواقع عبر إنشاء مسالك وسياقات ومساقات جديدة في التربية والتعليم والثقافة، الأمر الذي شكل تحولا نوعيا في طبيعة الوجود الإنساني عموما.
وفي هذا المضمار انقسم المفكرون والكتاب والمثقفون بين مناصر مؤيد يعتبر الذكاء الصناعي فتحا معرفيا يقرب المعلومة، في حين يرى البعض أنه يكرس “التخيل”، ويتجاوز الحقيقة والواقع، ذلك أن التقنيات الرقمية أصبحت توفر بدائل فعلية عن الواقع.
في الوقت الذي يرى البعض أن غياب إجماع توافقي حول الواقع الموضوعي يحتل الصدارة، الشيئ الذي يشكل ثغرة أو شبه قطيعة في جهاز التصور البشري.
وفي الأخير
والخلاصة أن ديناميكية الذكاء الصناعي وإن كانت فتحت آفاقا رحبة للمعرفة والعلم فإنها خلقت تحديات جديدة من أبرزها ما يتعلق بمعايير الحقيقة والمعقول، أي ماهي محددات المعرفة؟
ويتضح هنا أن الإشكالات والأسئلة الكبرى التي تناولتها الفلسفة القديمة المطالبة بالخروج من عالم الحسي إلى أفق العقلانية، أو رسم الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم (المنطق الأرسطي)، فإن نفس التحدي مازال قائما ، حيث انهارت الوسائط الإبستيمولوجية المؤسسة للمعنى مع الذكاء الصناعي وانتفت الحدود والحواجز بين الموضوعية والعقل وبين المنطق والتصور والعقل.
وفي الختام فإن السؤال يبقى قائما: من يحكم من؟؟
هل المتحكم هو الإنسان بوصفه كائنا عاقلا مبدعا للإرادة والوعي؟
أم الذكاء الصناعي الذي فسيصبح متحكما في الاقتصاد ويسوس المجتمع وربما حتى في التفكير الفردي.؟
هل هو نعمة وسير نحو الحداثة “المأمونة” أم أن مطبات قد تعترض طريقه ويصبح رمية لم يعد يتحكم فيها الرامي؟؟
الزركة إلى مركت أيد ملاه.،، هذا المقال للكاتبة الصحفية والإعلامية:”زينب الجد” الأمينة العامة لكل من شبكة الصحفيات الموريتانيات. والنقابة الصحفيين .