مقالات

المجتمع المدني بين التكتل الإفتراضي والأداء الواقعي

 

لايخفى على أحد مايلعبه المجتمع المدني من دور في بناء الدولة المدنية التي يعرف فيها المواطن ماله من حقوق وماعليه من واجبات فالمجتمع المدني يلعب دور الجهة المسؤولة عن التثقيف من خلال حملات التعبئة والتحسيس ونشر الثقافة بين المواطنين حول القضايا التي قد يعتريها اللبس أو يلفها الغموض أو تموه في فيها الحقائق فهو بهذا الدور يشبه القائد والموجه والمرشد وهو دور أساسي في الحياة المدنية المتسارعة أما الدور الثاني فهو دور المناصر للقضايا العادلة التي تمس حريات الأفراد وحقوقهم في العيش الكريم ليس من منظور سياسي بل من منظور إنساني وهو مايمنحه بعدا قل من يفهمه من أرباب هذا المجال وسدنته والدور الثالث هو دور المساند للدولة ليس من موقع الموالاة – كماقد يتوهم البعض – بل من موقع التقييم على أسس الشفافية, تقييم المكتسبات تقييما واقعيا يستند إلى حقائق ملموسة لاإلى دعايات مغرضة أو يشوبها التطبيل الأعمى , ممايكسبه المصداقية لدى المواطن وأمام الشركاء في الداخل والخارج ، وليست هذه كل أهدافه ، بل له أهداف أخرى تتسم بالشمول يضيق المقام عن ذكرها .
أمام هذه الأدوار وتشعبها بات من الضروري أن نتساءل عن هذا المجتمع المدني الذي يعج به الفضاء الإفتراضي وتعد أسماؤه بالألاف ، إنه تساؤل مشروع ينبغي أن يؤسس لمستقبل تنزل فيه هذه الأسماء إلى الميدان لا لمغازلة السلطة ولاطلبا للمكاسب بل أداء للواجب وترجمة للإيمان أن العمل المدني هو عمل طوعي له ضرورة قصوى يقوم على التفكير في الحلول وطرح البدائل وتحقيق الطموحات بأقل التكاليف .
ليس العمل المدني مجرد رخصة كما كان سائدافي الأوساط ، وليس هو نشاط لملء فراغ ، وتسجيل نشاط لدى المنصة خوفا من إلغاء الرخصة ، أو إقناع الدولة بضرورة مواصلة الدعم على قلته، إن من يفكرون هذا التفكير لايعلمون عن العمل المدني من العلم إلا مايسيؤون به إليه .
إن العمل المدني هو جهد طوعي تقدمه مجموعة من المواطنين ، يتأسس على ثقافة التبرع بالجهد والوقت ، وليس هدفه الربح ولا تحقيق المداخيل ، هو عمل إنساني نبيل ، والمتطوع في العمل المدني هو شمعة تحترق لتضيئ لغيرها في أجمل مظاهر العطاء الإنساني ، وهو بهذه النظرة عبادة فعلية يثاب عليها تماما كقول الرسول الكريم : (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة )، و قوله : (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ) .
إن ربط العمل المدني بتمويل الدولة يعكس عجزا في التفكير، وعدم القدرة على الوجود الذاتي، ويعرض المجتمع المدني لأن يكون تابعا بفعل مايحصل عليه من دريهمات هو في الأصل ليس فيها من الزاهدين ، وعدم وجود عمل إداري مبني على خطط واقعية تتسم بالتدرج والواقعية، وتسعى لبناء المستقبل هو أيضا سبب في التخبط الأعمى , وعدم التكوين ، والمتابعة ، والتقييم ، هي أيضا أمراض يجب على المجتمع المدني معالجتها حتى يخرج من دائرة التنظير إلى دائرة التطبيق .
إن المجتمع المدني يعيش وجودا افتراضيا لاوجودا واقعيا ، مع احترامي لبعض التجارب التي تقدم بعض النماذج الجيدة، ولكن الحالة العامة هي الحقيقة المرة، أن الدولة أغرقت المجتمع المدني بتراخيص لاتستحق الوجود، بل لاتتوفر فيها أدنى مقوماته .
إذن سيبقى الوجود افتراضيا مالم تصحح الأخطاء ، وسأفرد لها مقالا خاصا بإذن الله .
بقلم : سيدمحمد ولد يعقوب
ناشط في المجتمع المدني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى